العود في رمضان: طقوس الفخامة بين المنزل والجسد
يُعدّ العود أحد أكثر الروائح ارتباطًا بالأجواء الروحانية والاحتفالية في العالم العربي، ويحمل حضورًا خاصًا خلال شهر رمضان. مع لحظات الإفطار، والزيارات العائلية، وصلاة التراويح، يتحوّل العود إلى جزء من الطقوس اليومية التي تُضفي على المكان والأشخاص هالة من الفخامة والسكينة.
ولا ترجع مكانة العود إلى عبيره الآسر فحسب، بل إلى تاريخه العريق، وتنوّع أنماطه، وقدرته على التكيّف مع استخدامات متعددة؛ من تعطير المنزل، إلى تطييب الجسد، وصولًا إلى نفحات الشعر.
تاريخ العود ومنشؤه
العود مادة عطرية ثمينة تُستخرج من خشب شجرة الأكويلاريا (Aquilaria)، وهي شجرة تنمو في مناطق من جنوب وجنوب شرق آسيا، بما في ذلك لاوس وكمبوديا وماليزيا وإندونيسيا وأجزاء من الهند.
عندما تتعرض الشجرة لعدوى فطرية معينة، تبدأ بإنتاج مادة عطرية داكنة داخل نسيج الخشب كآلية دفاع طبيعية، وهو ما يتحوّل لاحقًا إلى ما نعرفه اليوم بالعود في صورته المُجرّدة أو “الآغاروود”. وكلما زادت نسبة الراتنج في الخشب، ارتفعت قيمته وجودته.
عُرف العود منذ آلاف السنين في الحضارات الآسيوية والشرق أوسطية، واستخدم في الطقوس الدينية والتعطير الشخصي والمجالس الرسمية. ومع مرور الوقت، أصبح رمزًا للفخامة والهوية الثقافية في المجتمعات الخليجية والعربية عمومًا، ويزداد حضوره بشكل ملحوظ في شهر رمضان لما يحمله من دلالات روحية واحتفالية.
وتختلف أنواع العود حسب بلد المنشأ وطبيعة الراتنج وتركيزاته؛ فالعود الهندي يُعرف بعمقه وقوته ودخانه الكثيف، بينما يميل العود الكمبودي إلى الحلاوة والنعومة. أما الماليزي والإندونيسي فيتميّزان بطابع خشبي دافئ ومتوازن. هذا التنوع يمنح المستخدم حرية استخدامه بطرق مختلفة تناسب أجواء رمضان اليومية.
العود: عطر فاخر لمنزلك في رمضان
يبدأ حضور العود في رمضان داخل المنزل، إذ يُعد تبخير البيت من العادات الراسخة قبل استقبال الضيوف أو بعد الإفطار. تمنح رائحة العود الدافئة إحساسًا بالفخامة والرقيّ، وتخلق أجواءً روحانية تتماشى مع طبيعة الشهر الكريم.
يُستخدم العود عبر المبخرة، حيث توضع قطعة فحم مُشتعلة ثم تُضاف رقائق خشب العود لتبدأ بإطلاق دخان عطري غني. ويفضّل اختيار أنواع معتدلة الكثافة حتى لا تكون الرائحة خانقة في المساحات المغلقة.
من بين الخيارات الفاخرة التي تُستخدم لتعطير المجالس في رمضان العود الكمبودي المعتّق، الذي يتميز بمزيج من الحلاوة والطابع الخشبي الدافئ، ما يجعله مثاليًا لاستقبال الضيوف. كذلك يُعد العود الماليزي خيارًا أنيقًا بفضل رائحته الهادئة التي تبقى في الأثاث والستائر لفترة طويلة. أما العود الهندي الفاخر فيُستخدم غالبًا في المناسبات الكبيرة بسبب قوته وعمقه.
يمكن كذلك تعزيز الرائحة باستخدام دهن العود عبر وضع بضع قطرات على الفحم في المبخرة، بدل وضعه مباشرة على الأقمشة لتجنّب أي آثار زيتية، بما يمنح المكان طابعًا فخمًا يذكّر بالمجالس العربية التقليدية.
العود كعطر للشعر
تعطير الشعر بالعود عادة قديمة لكنها عادت بقوة في السنوات الأخيرة، خصوصًا خلال رمضان حيث يحرص كثيرون على الظهور بأناقة في الزيارات والسهرات الرمضانية. الشعر يحتفظ بالرائحة لفترة طويلة، لذلك يُعد وسيطًا مثاليًا للعطور الشرقية الثقيلة مثل العود.
هناك عدة طرق لاستخدام العود للشعر. الطريقة التقليدية هي تمرير الشعر فوق دخان المبخرة لبضع ثوانٍ حتى تلتقط خصلات الشعر الرائحة دون أن تتأثر بالحرارة. هذه الطريقة تمنح الشعر رائحة مميزة وتجعله يفوح برائحة العود مع كل حركة.
كما ظهرت منتجات حديثة مثل بخاخات الشعر المعطرة بالعود أو الزيوت الخفيفة التي تحتوي على دهن العود ممزوجًا بمكونات أخرى مثل المسك أو الورد.
ويميل البعض إلى مزج العود بالورد الطائفي لإضفاء طابع أنيق، أو بالمسك الأبيض لمنح إحساس بالنظافة والفخامة. ويمكن للرجال أيضًا اعتماد هذه الطريقة للحصول على حضور عطري متوازن دون الاعتماد على عطر قوي على الملابس.
من الأمثلة الفاخرة دهن العود الكمبودي الممزوج بالورد الطائفي، والذي يمنح الشعر رائحة أنيقة وغير مبالغ فيها. كذلك تُعد التركيبات التي تجمع العود مع المسك الأبيض خيارًا مناسبًا للأمسيات الرمضانية، لأنها تعطي إحساسًا بالنظافة والفخامة في آن واحد، والرجال تحديدًا يمكنهم الاستفادة من هذه الطريقة إذا كانوا لا يفضلون العطور القوية على الملابس، إذ يمنح العود في الشعر حضورًا عطريًا خفيفًا لكنه مميز.
العود لتعطير الجسد
يبقى الاستخدام الأكثر فخامة للعود في شكل دهن العود، وهو زيت عطري مركز يُعد من أغلى المواد العطرية الطبيعية في العالم، وتختلف أسعاره بشكل كبير حسب بلد المنشأ وجودة الخشب وتركيز الراتنج، وغالبًا ما تُستخدم منه قطرات قليلة فقط على نقاط النبض مثل المعصمين وخلف الأذن.
في رمضان يفضل كثير من الرجال استخدام العود بعد الاستحمام وقبل الخروج لصلاة التراويح أو الزيارات العائلية. الرائحة تتفاعل مع حرارة الجسم وتتحول مع الوقت إلى طبقات أكثر نعومة وعمقًا.
العود الكلاكاسي يُعد خيارًا قويًا وجريئًا للرجل، خصوصًا لمن يفضل الروائح الثقيلة التي تترك أثرًا واضحًا. أما العود الكمبودي فيمنح طابعًا أكثر أناقة ونعومة، ما يجعله مناسبًا للاستخدام اليومي خلال الشهر. بينما يُعد العود اللاوسي خيارًا متوازنًا يجمع بين الدفء والحلاوة.
يمكن أيضًا مزج دهن العود مع عطور أخرى مثل العنبر أو المسك للحصول على رائحة أكثر تميزًا. هذه الطريقة شائعة بين محبي العطور الشرقية لأنها تمنح كل شخص بصمته الخاصة.
يبقى العود أحد أبرز رموز الفخامة في الثقافة العربية، ويزداد حضوره خلال شهر رمضان حيث يجمع بين الروحانية والضيافة والأناقة الشخصية. سواء استُخدم لتعطير المنزل واستقبال الضيوف، أو لإضفاء رائحة مميزة للشعر، أو كعطر فاخر للجسد، فإن تنوّع أنواعه يمنح كل رجل مساحة لاختيار ما يعكس ذوقه وشخصيته في هذا الشهر الفضيل.
