الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا تفتح آفاق الطب الحيوي.. إليك التفاصيل
تمكّن فريق بحثي دولي من تحقيق اختراق علمي لافت عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا البشرية الحية، حيث نجح في تصنيع هياكل بوليمرية مجهرية داخل الخلية نفسها، بعرض لا يتجاوز خُمس سُمك شعرة الإنسان، دون تدمير بنيتها الحيوية.
تصنيع هياكل داخل خلايا بشرية حية
وأوضح الباحثون أن الخلايا البشرية، التي يبلغ قطر الواحدة منها نحو 20 ميكرومترًا فقط، تمثل بيئة شديدة الاكتظاظ بالبروتينات والعضيات والآليات الجزيئية، ما جعل إدخال أجسام صلبة إلى داخلها تحديًا علميًا معقدًا.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Advanced Materials، حيث عرض الفريق، الذي يعمل في سلوفينيا، تقنية مبتكرة تعتمد على أسلوب يُعرف باسم البلمرة ثنائية الفوتون، باستخدام الليزر عالي الدقة لإنجاز الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا بدقة متناهية.
وبدأت العملية بحقن قطرات مجهرية من مادة فوتوبوليمر تجارية تُعرف باسم IP-S داخل خلايا هيلا ، وهي سلالة خلايا بشرية مستخدمة على نطاق واسع في الأبحاث العلمية.
وقد جرى اختيار المادة بعناية لضمان توافقها الحيوي، وعدم سُميتها بعد التصلب، مع قابليتها للذوبان في حال عدم اكتمال البلمرة.
الخلايا تتكيف مع الهياكل المطبوعة
وبعد الحقن، عُرِّضت القطرات، التي تراوح قطرها بين 10 و15 ميكرومترًا، لنبضات ليزر فائقة السرعة عبر مجهر عالي الدقة، ما سمح بتصلب المادة في نقاط محددة فقط، وبناء هياكل ثلاثية الأبعاد طبقة تلو الأخرى داخل السيتوبلازم دون الإضرار بمكونات الخلية المحيطة.
وطبع الباحثون نماذج متعددة، شملت مجسم فيل بطول 10 ميكرومترات، وشعارات مختبرية، وكُرات مجوفة، وهياكل شبكية، وأظهرت صور المجهر أن هذه الأجسام وُجدت بالكامل داخل الغشاء الخلوي، مع تغيّر طفيف في شكل نواة الخلية لإفساح المجال لها.
وبيّنت النتائج أن تأثير الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا على بقاء الخلايا كان مماثلًا لتقنيات التدخل الخلوي الأخرى، إذ فقدت نحو 55% من الخلايا حيويتها بعد 24 ساعة، مقارنة بنحو 50% عند ثقب الغشاء الخلوي دون طباعة.
أما الخلايا التي بقيت حية، فقد واصلت سلوكها الطبيعي، وحافظت على شكلها وقدرتها على الانقسام، بل ونقلت الهياكل المطبوعة إلى الخلايا الابنة أثناء الانقسام. إلا أن الهياكل الأكبر من 5 ميكرومترات تسببت في تأخير الانقسام الخلوي لمدة ساعة على الأقل، ما يشير إلى تأثيرات فيزيائية دقيقة للأجسام الغريبة داخل الخلية.
ورغم أن التقنية الحالية تعتمد على حقن كل خلية على حدة، ما يحد من استخدامها على نطاق واسع، فإن الباحثين يرون أن تطوير المواد ووسائل التوصيل قد يفتح الباب أمام تطبيقات مستقبلية واسعة، تشمل الاستشعار الحيوي، وإطلاق الأدوية داخل الخلية، ودراسة تأثير القوى الميكانيكية الدقيقة.
ويؤكد العلماء أن الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا تمثل خطوة ثورية نحو تحويل الخلية نفسها إلى منصة تصنيع حيوي دقيقة، مع إمكانات واعدة في أبحاث الطب والتقنيات الحيوية المتقدمة.
