You are here

×

البيتكوين.. شرارة انطلاق عصر العملة الجديد

البيتكوين شرارة انطلاق عصر العملة الجديد

البيتكوين شرارة انطلاق عصر العملة الجديد

البيتكوين شرارة انطلاق عصر العملة الجديد

البيتكوين شرارة انطلاق عصر العملة الجديد

البيتكوين شرارة انطلاق عصر العملة الجديد

كان أول اعلان عن العملة الالكترونية البيتكوين في عام 2009، ومنذ ذلك الحين، وبعد مضي أقل من تسع سنوات على ظهورها، كان القليل هم الذين يتعاملون بها، ولكن مؤخراً وتحديداً خلال العام الماضي 2017 وحتى اليوم، كان  قلة لم يسمعوا بهذه العملة بشكل من الأشكال، التي شغلت وسائل الاعلام، سواء بشكلها التقليدي أو وسائل التواصل.

 فلا يمكن للمرء إلا أن تجذبه أخبار هذه العملة غير التقليدية، من ارتفاع غير مسبوق بسعر صرفها، ومن ثم هبوط حاد، وفي كلتا الحالين، كان الأمر يحصل بسرعة جنونية، وهذا الارتفاع والهبوط كان مجالاً وفضاء واسعاً لكل النظريات السلبية او الايجابية عن البيتكوين، فهنا أكد أصحاب نظرية المؤامرة والاحتيال أفكارهم، وكان هناك بالمقابل من يرى في العملة مستقبل التداول النقدي، أو على الأقل الشرارة التي ستطلق عصر العملة القادم الذي سيكون ضمن التطور الطبيعي لتاريخ البشرية الاقتصادي.

السياق التاريخي  

لا يمكن الحديث عن آي عملة بكل أنواعها المعدنية أو الورقية أو مؤخراً الالكترونية، إلا ضمن السياق التاريخي للتطور البشري؛ ففي البداية كان ما يعرف بنظام المقايضة نظاماً مباشراً للتعامل بين الأفراد، فكانت السلعة أو الخدمة مقابل السلعة أو الخدمة، وفق المثال الشهير في كتب تاريخ الاقتصاد "أعطيك فأساً حجرياً إذا ساعدتني بقتل جاموس".

وكان التطور الطبيعي لهذا الاقتصاد هو اختراع المال الذي بدأ منذ ما يقارب ثلاثة آلاف عام، وبدأ وسيطاً مادياً غير مباشر لتبادل أسهل وأسرع، فكان للحصول على سلعة أو بضاعة أو حتى خدمة، يجب أن يكون همقابلها شيء مادي مقبول، من قبل كل الأطراف يستطيع مبادلته بتعاملات آخرى، وهذا كان الشكل البدائي للمال.

واختلف هذا المقابل، باختلاف الشعوب، فكانت جلود الحيوانات والملح والأسلحة، ومن ثم كان في الصين أول استخدام لأدوات معدنية على شكل دائرة، وحدة مبادلة، منذ عام 1100 قبل الميلاد، فيما يمكن عدّه أول عملة نقدية. ولكن التاريخ يقول إن أول عملة معدنية رسمية صُكّت كانت عام 600 قبل الميلاد في مملكة ليديا، التي وجدت في غرب تركيا الحالية، وكانت مصنوعة من معدن يدعى الالكتروم، وهو خليط يوجد بشكل طبيعي بين الذهب والفضة.

الورقية.. وصولاً إلى الدولار

يسجل المؤرخون أنه في 1200 ميلادي، كان في الصين بدأ استخدام العملة الورقية التي دون عليها عبارة "كل مزور للعملة سيقطع رأسه". ولكن في أوربا يقدر أنه نحو عام 1600، بدأت البنوك بإعطاء عملائها أوراقاً نقدية، مقابل ما أودعوه في هذه البنوك من معادن ثمنية، وكانوا يستطيعون استبدال هذه الأوراق بالقطع الذهبية أو الفضية.

 وكانوا يستطيعون استخدامها في شراء البضائع وتشغيلها، بما يمكن عدّه الشكل المبدئي للعملة الورقية الحالية، ولكنها كانت تصدر عن البنوك الخاصة وليس الحكومات التي لم تتأخر كثيراً. وتعدّ حكومة ما يسمى بالمستوطنين شمال أمريكا، أول من تولى رسمياً اصدار العملة الورقية عام 1685، وتلا ذلك أن انحصر بشكل كامل حق اصدار هذه الاوراق النقدية، بالحكومات، في كل أنحاء العالم.

وفي عام 1792 أنشئ الدولار الأمريكي، على شكل ثلاث فئات: ذهبية وفضية ونحاسية، وخلال الحرب الأهلية الأمريكية، ونتيجة لحاجة حكومة الشمال المركزية للأموال، وعدم الرغبة في خسارة الذهب والفضة، طبعت عام 1862 الدولار بشكله الأخضر الحالي، وكان مجرد ورقة كثقة بين الأفراد والحكومة، ولم يكن مغطى بالذهب، ولكن تمت هذه التغطية لاحقاً عام 1897، وبذلك بدأت حقبة جديدة مع عبارة " نثق بالله" التي كتبت عليه.

في عام 1944 وقعت 44 دولة على اتفاقية Bretton Woods التي كرست هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي، ومرجعاً لتحديد سعر عملات الدول الأخرى، وكان ذلك نتيجة طبيعية لانتصارها في الحرب العالمية الثانية، وكونها تمتللك في ذلك الوقت 75 % من ذهب العالم، وكون الدولار، في حينه، العملة الوحيدة في العالم المغطأة بالذهب.

ونتيجة لذلك سعت دول العالم إلى تكديس الدولار لديها، لاستبدا الذهب به، عند الحاجة. ولكن تحولاً مفاجئاً حصل بعد ذلك؛ ففي عام 1971، طلب الرئيس الفرنسي شارل ديغول تحويل 191 مليون دولار مما تملكه فرنسا إلى ذهب، وفق الاتفاقية، ولكن الولايات المتحدة الغارقة حينها في حرب فيتنام، عجزت عن الاستبدال، وأدى ذلك في عام 1973، إلى إصدار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بياناً ألغى فيه التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولار ذهباً، فيما عرف بصدمة نيكسون، وأصبح سعر صرف المعادن، وخاصة الذهب، حراً يخضع للعرض والطلب، ولكن مع ذلك، وبالرغم من هذا البيان، بقي الدولار العملة لنقدية المعتمدة للاحتياط في كل العالم، حتى يومنا هذا.

عصر الإنترنت والتجارة الإلكترونية

منذ عام 1973 وحتى 2009 العام الذي أعلن فيه عن عملة البيتكوين، أنه عصر الإنترنت الذي تغيرت معه الكثير من المفاهيم عن التداول والمبادلة، فدخلت البنوك عهداً جديداً من بطاقات الدفع الالكتروني، ومع الصراف الآلي ونشأة التجارة الالكترونية، وصولاً إلى الدفع الالكتروني بالهواتف الذكية، كلها سمات للعصر الحالي.

وفي الكثير من الدول، أصبح التدول النقدي بشكله الورقي أو المعدني، في أدنى حالاته، ووصل الأمر ببعض الدول للتخطيط خلال الأعوام القليلة القادمة للتخلص نهائياً من النقد بشكله المادي المحسوس، والتحول نهائياً للتعامل النقدي الالكتروني.

وهذه السمات الالكترونية للعصر الحالي وتزامناً مع الأزمة المالية العالمية، في عام 2006 وما تلاه، ومع ما يمكن أن يطلق عليه ترهّل آلية ونمط التعامل المالي النقدي العالمي، منذ عام 1944 تاريخ اتفاقية Bretton Woods وعام 1973 تاريخ صدمة نيكسون، أصبح العالم في حال مخاض جديد لولادة آلية ونمط جديد لهذا التعامل، وهنا بالتحديد جاءت عملة البيتكوين إحدى علامات هذه الولادة القادمة.

وصولاً إلى البيتكوين 

في عام 2008 ظهر اسم البيتكوين لأول مرة، وعرفت بأنها نظام نقدي الكتروني، عبر عبر ورقة بحثية قدمها شخص مجهول أطلق على نفسه اسم ساتوشي ناكاموتو، الذي يوحي أنه اسم ياباني. ولكن هذا اليوم لم تعرف هويته، سواء كان شخصاً طبيعياً، أو مجموعة أشخاص. وفي 3/1/2009 طرحت العملة للتداول لأول مرة على الإنترنت، دون وجود مادي محسوس لها، أي هي موجودة في العالم الافتراضي فقط.

ويسمى المبدأ الاساسي الذي تقوم عليه البيتكوين "الند للند" (Peer-to -Peer ) أي بكل بساطة هو التعامل المباشر بين مستخدم وآخر، دون وسيط، سواء كان حكومة او بنكاً مركزياً أو خاصاً، ويمكن القبول بالدفع خلالها، دون الحاجة إلى حساب بنكي، ويطلق عليها اسم عملة معماة أي تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التشفير في كل جوانبها.

ومن مواصفات البيتكوين، السرعة في النقل، فعملياً لا تنتقل العملة غير الموجودة بشكل ملموس، بل كود العملية فقط، ويتم ذلك بدون أي رسوم كتلك التي تفرضها البنوك أو شركات التحويل، كما لا يمكن معه مراقبتها من قبل البنوك المركزية، كما أنها لا ترتبط بمكان أو بموقع معين.

ويقوم نظام البيتكوين بتسجيل كل الاجراءات التي تحصل على الشبكة، بنظام يدعى سلسلة الكتل، وهو ما يمكن من معرفة الرصيد الذي يملكه كل عنوان على الشبكة، ما يضمن الشفافية في عمليات التحويل، حيث بالرغم من السرية المفروضة التي لا تمكن من معرفة هوية الشخص وبياناته، فإنه يمكن معرفة الكمية التي يملكها من العملة.

الحصول على البيتكوين

يتم توليد عملة البيتكوين ضمن عملية الكترونية معقدة تسمى التعدين، ويمكن تشبيهها بعملية استخراج الذهب بشكله المادي، وتتم العملية باستخدام أجهزة كمبيوتر خاصة، مع بطاقات رسومية عالية التقنية، حيث تستهلك الكثير من الطاقة الكهربائية، وخاصة من حيث تبريد الجهاز، ما لا يمكن معه لعمليات التعدين بالأجهزة الشخصية أن تكون فعالة ومربحة، بالرغم من استفادة الكثير من عمليات التعدين التي تمت في بداية اطلاق العملة، ونقلت حياتهم إلى مرحلة من الرخاء، لكن عمليات التعدين الحالية تتم بسيرفرات وأجهزة خاصة مكلفة نوعاً ما، وحتى الآن لم يتم تعدين آي انتاج إلا نحو 21 مليون وحدة وهي التي يتم تداولها. 

وبالرغم من محدودية عدد وحدات البيتكوين، فإن تداولاً هائلاً حصل لها خلال عام 2017، ومع القدرة على مبادلتها بالعملات الحالية كالدولار واليورو، وصلت لأسعار صرف خيالية، حتى طرقت سقف 20 ألف دولار لكل بيتكوين واحد، قبل أن تهوي بسرعة قياسية، علماً أنه في بدايتها كان كل بيتكوين يساوي 0.001 دولار، وهذا الصعود والهبوط الحاد، ما يؤسس عليه أصحاب نظرية الاحتيال في البيتكوين.

وبدأت العملة تفرض نفسها واقعاً لا يمكن تجاهله في كل أنحاء العالم، وبدأت عملية التكيف مع وجودها، فها هي ألمانيا أول دولة تعترف بوجودها رسمياً، ولكن حتى الآن، من حيث فرض ضرائب على أرباح الشركات من تداولها، مع إعفاء للأفراد وبدأ الكثير من المتاجر والمحلات يقبل بالدفع بالبيتكوين. وكان مقهى "إسبريسو" في مدينة فانكوفر بكندا، أول من وجد فيه جهاز صراف آلي ATM لعملة البيتكوين، وبعدها انتشر هذا الصراف في مختلف أنحاء العالم، ووصل عددها في ديسمبر من عام 2017 إلى 1920 جهازاً، اثنان منها في المنطقة العربية، الأول في دبي، والثاني في الجبيل في المملكة العربية السعودية، وتقتصر العمليات بهما على شراء البيتكوين فقط. 

مفترق طريق 

مرت الحياة البشرية عبر تاريخها بالكثير من مفارق الطرقات التي كان الانعطاف خلالها يغير حال البشر، وتاريخ النقد والتداول المالي ليس بمنأى عن ذلك؛ ففي ذلك العهد الذي لم يعد بالإمكان تقبل فكرة مبادلة الفأس بالمساعدة على صيد الجاموس، دخلت المواد كجلود الحيوانات والأسلحة والملح، وسيلة مبادلة، وعندما لم تفِ بالغرض، كانت هناك النقود المعدنية، وعندما لم يعد بالامكان حمل تلك النقود المعدنية الثقيلة، كانت النقود الورقية وسيلة المبادلة، وفي منعطف جديد كان لا بد من تدخل الحكومات لإصدار العملات الورقية التي وصلت بنهايتها لعصر سيطرة الددولار.

دلالات كثيرة اليوم تشير إلى حاجة البشرية لتغيير كبير في مجال النقد والتعامل المالي، وكان مجرد وجود البيتكوين والهالة الكبيرة التي رافقتها، هي أهم الدلالات، ويضاف إلى ذلك، أنها ليست المحاولة الوحيدة في مجال العملة الرقمية، بل هي واحدة ضمن 60 محاولة لإنشاء عملة الكترونية، ولكن لعلها الأشهر، وحتى بالتزامن معها، هناك ستّ من هذه العملات ما تزال متداولة الآن، وهي لايتكون، دوجيكوين، نوفاكوين، نيمكوين، بيركوين، فزركوين.

إذا السؤال هل البيتكوين عملة العالم في العصر القادم أم لا ؟

 لا يبدو هو السؤال الأهم، ولكن هل البشرية في مرحلة تحول من عصر إلى عصر آخر في مجال النقد؟

وهل البشر بحاجة إلى إيجاد بديل للفأس الذي لم يعد قابلاً للتداول كما قبل؟

 إذا كان ذلك، كذلك، فإن البيتكوين هي الشرارة التي ستطلق عصر العملة الجديدة.

مواضيع ممكن أن تعجبك

التعليقات

أضف تعليق