You are here

×

ملك اسبانيا خوان كارلوس: عاشق الحضارة العربية

الرجل- مدريد:

من اي زاوية وبأي معيار، فإن الملك خوان كارلوس ملك إسبانيا، يعدّ حدثاً مهماً في حياة بلاده وتاريخ اوروبا المعاصرة. فهو بمنهجه الخاص في ممارسة الحكم، بعد وصوله الى العرش، قد الغى كل التوقعات التي سبقته والحسابات التي اجريت حوله. فقد كان من شبه المؤكد لدى جميع المراقبين، انه سيكون حاكماً شديد المحافظة وديكتاتوراً متسلطاً، إن لم يكن في ابسط الاحوال مستبداً.

ذلك انه لم يكن مجرد وريث شرعي لعرش إسبانيا، بل انه كذلك كان وريثاً لمرحلة ديكتاتورية اتسمت بالعنف والدموية والكبت الشديد، وحرب اهلية فني فيها مئات الآلاف من اجل اعادة الملكية، وكان سيبدو طبيعياً لو انه واصل تلك المرحلة. واذا به ملك من غلاة الدفاع عن الديمقراطية، وحاكم ظاهر التسامح مع المخالفين له في الرأي وفي السياسة، ولعله دون مبالغة اكثر ملوك اسبانيا ليبرالية وتفتحا.

وما من شك ان وجوده في سدة الحكم قد فتح جميع ابواب اسبانيا لإعادة فهم تاريخها بصورة حقيقية، ولإعادة صياغة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع بلدان العالم وفي مقدمتها العرب. وهذا هو عمق الاتجاه الفكري الاسباني المعاصر، وقد اسهم هو نفسه في تطوير هذا الاتجاه، عندما سمح مؤخراً بصدور الاحاديث التي اجراها مع لوي دي فيلالونغا، ماريز كاستيلفل، على صورة كتاب يحمل عنوان الملك ELREY، لأنه اقرب الصور وأدقها الى تاريخ حياته الشخصي. وقد كشف فيه عن الاسباب التي ادت الى اختيار فرانكو له لكي يكون ملكاً، وكيف كون هو افكاره التي جعلته مختلفا عن فرانكو دون ان يشعر فرانكو نفسه بذلك.

لقد كان من الممكن ان لا يكون هو ملك اسبانيا. لقد كان آخر ملوك اسبانيا جده الاكبر الفونسو الثالث عشر. وقد حدث اثناء حكمه عام 1931 ان اجريت انتخابات عامة اظهرت ميل الشعب الى الغاء الملكية وتكوين جمهورية، فتنازل عن العرش بنفسه دون ضغط من احد وسلم الحكم للجمهوريين. ولكن الجنرالات الموالين له اعتبروا ذلك ضعفا، وظلت الحياة السياسية في اسبانيا تغلي حتى ظهر الجنرال فرانكو، فقاد حرباً على الجمهورية الثانية التي تألفت عام 1936. استمرت هذه الحرب حتى عام 1939، وأسهمت فيها كل من المانيا النازية وايطاليا الفاشية آنذاك. وكان فرانكو يرفع شعار إعادة الملكية دون ان يكون هناك في الحقيقة ملك بجواره.

كان الفونسو الثالث عشر قد مات في المنفى عام 1941، اثناء الحرب العالمية الثانية، بعد ان ترك وراءه ثلاثة اولاد من زوجته الملكة فيكتوريا ايوجينا حفيدة فيكتوريا ملكة بريطانيا. الاول هو الفونسو وكان مصاباً بداء النزف الدموي، والثاني جام الذي كان اصمّ ابكم، وبذلك لم يكونا صالحين لاعتلاء العرش فتنازلا عنه رسمياً. وخلا الطريق للابن الثالث خوان، وكان آنذاك طالبا في الاكاديمية البحرية التي اضطر الى تركها ليلحق بأبيه فرنسوا في المنفى بفرنسا. غير انه واصل دراسته في بريطانيا حتى تخرج ملازماً بحرياً ثم تزوج من ماريا دي لاس مارسيدس دي بوربون، فعرف بعد ذلك باسم خان دي بوربون، وعندما مات ابوه اخذ في مطالبة فرانكو بإعادة عرش ابيه اليه ولكن فرانكو رفض. وقبل ان تنتهي الحرب العالمية الثانية رزق وهو في روما بابن اطلق عليه اسم خوان كارلوس.

وبعد انتهاء الحرب انتقل الى مدينة استوريل البرتغالية المجاورة للعاصمة لشبونة حيث كان يراسل فرانكو منها، لكي يقنعه بتغيير اسلوبه في الحكم واتخاذ سياسة ديمقراطية، واشتهر بين الاسبان في تلك الفترة باسم دون خوان. واستمر فرانكو على رفضه، الا ان واقع الظروف السياسية حوله ارغمته على تغيير رأيه، فقد كان حلفاؤه النازيون والفاشيون قد هزموا، فاضطر من باب التحايل ان يعلن نفسه عام 1947 وصياً على عرش اسبانيامدى الحياة مع احتفاظه بحقه في اختيار ملك لاسبانيا.

الصبي الملك

لكي يحل هذه المعضلة استدعى فرانكو الصبي الصغير خوان كارلوس الذي كان قد تجاوز عمره عشر سنوات تقريباً، ليخبره باختياره ملكاً. ويصور الملك خوان كارلوس تلك اللحظة الصعبة لأنه بقبوله كان يعلم انه يعزل والده، فقال "لقد وضعني فرانكو بين السيف والحائط، الا انني قلت له نعم يا جنرال، انني اقبل". قبل حتى لا تضيع الفرصة على عائلته. نعم لقد ابتسم فرانكو. ولكن الأب اصيب بالحزن وخوفه كان كبيراً. وذلك انه يعرف ان فرانكو كان يبحث عن ملك اسمي وولد صغير يصبّه في القالب الفكري الذي يختاره له، بحيث يكون نسخة اخرى منه. وكانت مخاوف الاب لها مايبررها، لأن فرانكو قد ابقى الصبي في دائرته تحت اشرافه حتى يتأكد من افكاره ولم يعلن البتة انه الوريث الرسمي للعرش الا عام 1969، اي بعد 22 عاماً من اختياره. وطوال تلك السنوات والاب لا يكف عن الاتصال بابنه، حتى يلقنه اصول افكاره في الحكم خفية وبعيداً عن مراقبة فرانكو. وكان من اهم ما فعله له انه شجعه على التجول في اسبانيا لكي يتعرف بنفسه إلى حقائق الشعب واثر حكم فرانكو فيه. وكان من اهم ما اتضح له اثناء نضوجه في تلك الفترة ان جده الملك فرنسوا الثالث عشر لم يكن ضعيفاً كما صوره فرانكو، وأنه كان ملكاً اميناً على الدستور وعلى بلاده التي خشي ان تغرق في الدم، الامر الذي حدث بعد ذلك بأخطاء من عزلوه.

وصايا الأب

اعتلى خوان كارلوس العرش في 22 نوفمبر (تشرين اول) عام 1975، اي بعد يومين فقط من وفاة فرانكو، وسرعان ماعرفت سنوات حكمه الاولى بفترة الانتقال الى الديمقراطية، بسبب ما مارسه من ميل واضح الى التسامح مع كل القوى السياسية كما اوصاه وعلمه ابوه، وذلك وسط مقاومة شديدة من بقايا حكم فرانكو. وفي صباح احد ايام شهر فبراير (شباط) عام 1981 واجه اول ازمة في تاريخه عندما قام اكثر من مئتي ضابط من الحرس المدني باحتلال البرلمان وإطلاق الرصاص على النواب فيه، بينما كانت الدبابات قد تركت حامية فلانسيا متجهة الى مدريد لاحتلالها. في تلك الساعات العصيبة بدت اسبانيا وكأنها ستعود مرة اخرى الى الديكتاتورية، ولكن خوان كارلوس ظهر في التلفزيون محاطاً بمؤيديه من رجال الجيش وإلى جواره ابنه الصغير فيليب، لكي يعلن "ان هذا انقلاب ولن اسمح بنجاحه الا على جثتي". ونجح الملك وفشل الانقلاب وحظي بتأييد كل القوى السياسية في اسبانيا وفي مقدمتها القوى الجمهورية القديمة.

ويصف الملك تفاصيل تلك الليلة العصيبة، ولكنه يركز على علاقته بابنه فيليب الذي اصبح يحمل لقب امير اوستيرياس، قائلا: لقد استدعيته لكي يسهر معي في مكتبي، حتى يشاهد بنفسه كيف اتصرف في هذه الازمة. وأذكر انه سألني: بابا، ماذا سيحدث؟ فوجدتني اصف له مشهداً يفهمه كصبي صغير، من مشاهد كرة القدم. فقلت له " ان التاج الآن في الهواء كالكرة في الملعب، ومهمتي ان اجعله يسقط في المكان المناسب. وهذا مايجب ان تصنعه عندما تصبح على العرش، تعلم منذ الان".

تخفيف الحراسة

ويعيش الملك منذ ذلك اليوم زعيماً سياسياً يبذل وقتاً كثيراً في حل المشكلات السياسية التي تواجه الاحزاب، وخاصة بين الوسطيين والاشتراكيين. وكان وراء صياغة دستور جديد لإسبانيا اقر عام 1987 وتنازل هو فيه عن كثير من السلطات التي كان يمنحها له دستور فرانكو القديم. وأخذ يخفف عنه الحراسة التي كان يحاط بها الزعماء من قبله. وانتقلت اسرته الى خارج مدريد. والحقيقة ان الملك خوان كارلوس لا يملك اي عقارات في اسبانيا او خارجها. وتنحصر اقامة عائلنه في زارزويلا، حيث القصر الذي يبدو منزلاً متواضعاً اكثر منه قصراً ملكياً، ويبعد قرابة 10 كيلومترات عن وسط مدريد. وللعائلة منزل اخر في جزيرة مايوركا مخصص لشهر الصيف. وكلا المنزلين، بالاضافة الى القصر الملكي في مدريد لا يخضع لملكية الملك خوان كارلوس، ذلك ان جميع القصور الملكية في اسبانيا هي ملك للشعب بموجب الدستور.

وتتكون عائلة الملك من زوجته الملكة صوفيا التي تنتمي الى العائلة المالكة اليونانية القديمة وتعلمت في كلية فيكتوريا بالاسكندرية اثناء منفى عائلتها، وابنته ايلينا (28 سنة) التي لم تتزوج حتى الآن، وكريستينا (22 عاما) وفيليب الذي اصبح عمره الان 25 سنة وسيتزوج قريبا من فتاة اسبانية من الشعب.

الجذور العربية

ويمكن اعتبار الملك قد نجح في صياغة الاطار الذي تتحرك فيه اسبانيا بعد ان تحررت من اسر فرانكو. ولكن اسبانيا ذاتها تواجه مشكلات عديدة. منها ماهو عام مثل الظروف الاقتصادية التي اوشكت ايام فرانكو ان تحيل اسبانيا الى دولة من دول العالم الثالث، ومنها ماهو خاص وهي تلك التي تتعلق بتاريخها العميق.

لقد كانت اسبانيا اول دولة في اوروبا تبدا ما يعرف باسم عصري النهضة والتنوير. فعن طريقها تسلم الغرب كل خزائن الحضارة القديمة التي احتوت على كل التراث العربي العلمي والفلسفي. ويشكل هذا التراث البعد العميق لتاريخ اسبانيا، فعلى مدى عدة قرون كان الاسبان هم الشراح المعتمدون لأسرار ابن رشد وابن سينا والفارابي وغيرهم من اعلام الفكر والرياضيات والفلسفة الاسلامية. وتلقفت المراكز الثقافية النامية آنذاك في فلورنسا وباريس ومونبيلييه وجنيف اعمالهم. كما كانوا اول من طور الفنون التأليفية من مسرح ورواية. ومن اشهر ماقدموه بعد ذلك اول رواية بالمعنى الحديث وهي "دون كيخوته دي لامنخا" المعروفة في العالم العربي باسم دون كيشوت وهي من تأليف سيرفانتس، وهي شديدة التأثر بشخصيات الملاحم العربية، حتى انه اعتقل باعتباره جاسوسا للعرب بعد ظهور الجزء الاول منها عام 1605، وظهور الجزء الثاني بعد وفاته عام 1610 دون ان يعرف اهمية ماصنع، وكيف انه نقل تراث الفروسية العربية وحافظ على تدوينها بدقة وفن عاليين.

وثمة دراسات جديدة تتساءل عن حقيقة العلاقة العرقية بين إسبانيا والعرب. فهناك عائلات كثيرة في اسبانيا من اصول عربية، وليس هناك ما يمنع الاعتقاد بوجود عائلات عربية من اصول اسبانية، حيث ان مضيق جبل طارق لم يكن من الناحية العملية عائقاً للتنقل بين اسبانيا والعرب منذ اقدم القرون. ولقد قيل ان المر ( اي المغاربة العرب) قد حكموا اسبانيا مرتين: الاولى ايام الاندلس والثانية ايام فرانكو، حيث كان الحرس الخاص والقوة الضاربة الاسبانية التي اعتمد عليها كلها من قوات المغاربة.

ويبدو ان التراث العربي الذي سيطر على شبه الجزيرة الايبيرية قد ترك اثره في ساستها، ومنهم الملك خوان كارلوس، فقد اتخذ سياسة اكثر وعياً حيال العالم العربي من حيث فتح الطريق الى احياء الترابط الاقتصادي بين اسبانيا والعرب، في جو جديد من التسامح والليبرالية وببعد وعمق النظرة الى التاريخ.

ويمكن ملاحظة انعكاس ذلك على العلاقات التي تربط الملك خاوان كارلوس بالعديد من الزعماء والملوك والقادة العرب.

وهو من جهته يدرك مدى الترابط العاطفي الذي احدثه العرب في التاريخ الاسباني، الذي هو في واقعه تاريخ عربي. وتفتخر اسبانيا بهذا الترابط من خلال الكثير من الاثار الادبية والثقافية العربية التي نشأت في الاندلس، تلك البلاد التي لا تزال تثير في نفوس العرب الكثير من الشجون. ويعني هذا نوعاً من الارتباط الذي يعكسه توطيد العلاقات الحالية، وهي العلاقات التي سعى الملك خوان كارلوس الى تطويرها.

داخل القصر

ويعيش الملك الاسباني داخل قصره رب اسرة، ورجل دولة في الوقت ذاته. وهو يبدأ يومه مبكراً، حيث يلتقي أفراد عائلته قبل ان يبدأ مهامه الرسمية، سواء على شكل لقاءات مع مسؤولين او في مراجعة بعض قضايا الدولة التي تدخل ضمن اختصاصاته وصلاحياته حسب الدستور. وفي الاوقات التي يكون فيها بعيداً عن شؤون الدولة، او حتى مشكلات اسرته الخاصة، يزاول الملك بعض الرياضات التي يعشقها منذ الطفولة. ولعل اغرب ما يتمتع به حبه الشديد للباس العسكري، الذي يظهر به كثيراً. كما يعرف عنه اناقته الشديدة. وهو يجيد قيادة الطائرات الحربية، كما يهوى الفروسية وحتى التزلج على الجليد. وكثيراً ماتشاهد اسرة الملك خوان كارلوس مجتمعة مع بعضها البعض شأن الكثير من الاسر الاسبانية العادية. بل ان ابنتي الملك تعيشان حاليا موظفتين في بعض الشركات الاسبانية. ولا تزال زوجته الملكة صوفيا تقود سيارتها الوحيدة من نوع فولكس فاغن والتي تشاهد بها كثيراً في شوارع العاصمة.

ويبدو واضحاً ان العائلة الاسبانية الملكية رغم عراقتها وصلتها بملوك اوروبا الحاليين او السابقين، تميل الى اضفاء طابع تواضع مميز يميزها عن غيرها من اسر اوروبا الملكية. ويبدو ان مثل هذا الاتجاه مدعوم من الملك خوان كارلوس مباشرة، الذي استحق ان يطلق عليه شعبه لقب "رجل اسبانيا المحبوب".

التعليقات

أضف تعليق