ما وراء الجوائز المليونية.. كيف تستفيد الشركات من رعاية كأس العالم للرياضات الإلكترونية؟
انطلق قبل ساعات حفل النسخة الثالثة من بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية EWC 2026، وللمرة الأولى، تُقام البطولة في باريس، وتحديدًا في قاعة "لا سين ميوزيكال La Seine Musicale" الشهيرة.
ستستمر البطولة 7 أسابيع حتى 23 أغسطس 2026، وستُكافأ الفرق الفائزة بعشرات الملايين من الدولارات؛ إذ تبلغ القيمة الإجمالية للجوائز أكثر من 75 مليون دولار، وهي القيمة الأغلى في تاريخ البطولة.
الفريق الفائز في النسخة المنصرمة هو السعودي الشهير "Team Falcons"، والذي يدخل هذه النسخة بهدفٍ واحدٍ وواضح، وهو الحفاظ على القمة؛ أمّا الألعاب التي تشكل حلبة المنافسة، فتشمل أشهر العناوين ذات الجماهيرية العالية مثل PUBG، وValorant، وDota 2، وCS2، وFortnite، والقائمة تطول.
لكن وسط كل الفرق والألعاب، ستلاحظ أن المؤسسة المنظمة للبطولة، والتي تحمل الاسم نفسه، تُبرم اتفاقيات تعاون مع جهات وشركات شهيرة، ما يستدعي سؤالاً مهماً: كيف يمكن للرعاة أن يستفيدوا من رعاية كأس العالم للرياضات الإلكترونية؟
ملايين الدولارات وفرص أكبر للاحتراف
السبب البديهي الأول والأوضح هو زيادة الشهرة، فإذا نظرنا إلى الشراكة مع Epic Games مثلاً، سنرى أنها ستجلب منافسات Fortnite وRocket League إلى البطولة، وبالتالي زيادة شهرة اللعبتين ومنح اللاعبين حضورًا أقوى داخل أكبر حدث عالمي في مجال الألعاب والرياضات الإلكترونية.
في Fortnite وحدها، يبلغ مجموع الجوائز 2.5 مليون دولار، وبما أن الشراكة ممتدة على أكثر من سنة، فهذه الجائزة ستزيد في النسخ المقبلة، ومعها عدد المشتركين في البطولة؛ خصوصًا باعتبار البطولة أكبر حدث عالمي في هذا المجال، وصناعتها لنجوم عالميين، مثل اللاعب البرتغالي جواو "جافونسو" فاسكونسيلوس.
في نسخة 2024، تأهل فاسكونسيلوس بشق الأنفس إلى نهائي لعبة EA Sports FC 24، ورُغم أنه لم يكن ضمن أبرز المرشحين، فإنه استطاع أن يفاجئ الجميع وينتزع اللقب ليحقق واحدة من أبرز قصص النسخ الافتتاحية.
وصَفَ نادي "نيو إنجلاند ريفولوشن"، الذي كان يمثله اللاعب في منافسات eMLS الأوروبية، جواو بأنه أصبح من أساطير منافسات EA Sports FC.
والأهم من ذلك أنه في نوفمبر 2024، تعاقد معه نادي النصر السعودي وقدمه بصفته بطل العالم، حتى أن اللاعب التقط صورة مميزة مع كريستيانو رونالدو انتشرت في الوسط.
في سبتمبر 2025، انتقل "جافونسو" إلى نادي "Manchester City Esports"، الذي ذكر عند إتمام الصفقة إنجازه الشهير ووصفه بأحد أبرز اللاعبين على الساحة.
ولم يكن "جافونسو" لاعبًا مغمورًا تمامًا قبل كأس العالم للرياضات الإلكترونية، لكنه أثبت نفسه فاستحق المكانة العالمية التي وفرتها له البطولة.
على مستوى الفرق، يختلف وضع البطل السعودي "Team Falcons" -الذي أسسه بطل فيفا 2018 مساعد الدوسري- قليلاً؛ لكن ينطبق عليه نفس المبدأ؛ فالفريق السعودي كان مشهورًا بالفعل قبل انطلاق البطولة، لكن الفوز باللقب عام 2024، ثم الدفاع عنه في 2025، جعل الاسم معروفًا حتى لمن ليس مهتمًا بالألعاب.
في نسخة 2024، جمع "Team Falcons" نحو 5,665 نقطة، مقابل 2,545 نقطة لصاحب المركز الثاني "Team Liquid"، أي أكثر من ضعف رصيد أقرب منافسيه، وحصل على الجائزة الكبرى بقيمة 7 ملايين دولار.
هناك الكثير من الأمثلة الأخرى، وكأس العالم للرياضات الإلكترونية يمكنه أن يمنح شهرة إضافية حتى لمن يعتقد أنه قد لا يحتاجها، مثل اللاعب "Faker" وفريق "T1"، اللذين زادت شهرتهما كثيرًا داخل وخارج الوطن العربي.
توسيع القاعدة الجماهيرية
يتوقع الرعاة من بطولة بهذا الحجم أن تساهم في زيادة قاعدتهم الجماهيرية، والوصول إلى الشباب الموجود بين المنصات، والذين يملكون شغفًا حقيقيًا تجاه ما يفعلوه.
وأُعلن في النسخة الأولى من البطولة جذب أكثر من 500 مليون مشاهد، استهلكوا أكثر من 250 مليون ساعة من المحتوى خلال 8 أسابيع، مع ذروة مشاهدة متزامنة بلغت 3.5 مليون مشاهد خلال نهائي League of Legends؛ لكن مصادر أخرى ذكرت أن إجمالي عدد المشاهدين بلغ 750 مليونًا حول العالم، مع نحو 350 مليون ساعة مشاهدة عبر 28 منصة و97 شريك بث وأكثر من 800 قناة بـ35 لغة.
لذا؛ فإن هذه الأرقام العابرة للقارات، تُغري أي راعٍ أو مستثمر، خصوصًا وأن عدد المشاهدات المتزامنة يُقدر بالملايين.
وتعاني الشركات الكبرى اليوم من صعوبة الوصول إلى جيل الشباب؛ Gen Z وما يليه، لأنهم ببساطة لا يشاهدون التلفزيون ويتجاهلون الإعلانات الواضحة على الإنترنت، ففكرة أن يروا العلامة التجارية لأي شركة دون أن يُجبروا على ذلك هي فكرة لا تُقدر بثمن، أو بمعنى أدق، تُقدر بثمنٍ باهظ.
بناء الثقة مع الجمهور
إذا كانت النسخة الأولى حققت 3.5 مليون ساعة مشاهدة متزامنة في League of Legends، فنفس هذا الرقم قفز إلى 7.5 مليون مشاهدة في النسخة التالية، مع تأكيد وكالة الأنباء السعودية عن وصول إجمالي المشاهدين إلى أكثر من 750 مليونًا حول العالم.
لذا؛ فإن رعاية شركة أو مؤسسة ما لهذه البطولة سيضمن لها وصولاً إلى شريحة كبيرة من الجمهور الواعي، لكن هل الأرقام كل شيء؟ بالتأكيد لا، وهنا تكمن أهمية ومكانة اسم البطولة والراعي أيضًا.
مثلاً، يمكن لشركات الاتصالات أن تستفيد أيما استفادة من رعاية كأس العالم للرياضات الإلكترونية، وذلك ببساطة لأن جودة الشبكة والاتصالات هنا ليست مزحة.
الأمر نفسه ينطبق على الشركات المصنعة للشاشات، أو المعالجات، أو السماعات، أو الحواسيب، أو أي عتاد يُستخدم ويوظَّف في البطولة؛ فالشركة التي ستستطيع إبراز إمكانيات عتادها أمام هذه الملايين الغفيرة هي الفائز الحقيقي.
أكثر من مجرد استقطاب جماهيري
نتفق أو نختلف، تسعى الكثير من الشركات الراعية إلى زيادة قاعدتها الجماهيرية و"بيع الإعلانات"، غير أن هناك أهداف أعمق مثل بناء ملكية فكرية وإنتاج محتوى قابل لإعادة الاستخدام.
وبدلاً من اكتفاء الراعي بوضع شعاره داخل قاعات المنافسة، يمكنه إنتاج سلاسل محتوى عن كواليس الفرق المشاركة مثلاً.
ويمكن للرعاة أيضًا اختبار منتجاتهم في بيئة تفاعلية حقيقية يمكن أن يُستخدَم فيها كل شيء تقني حرفيًا، بداية من بوابات الدفع وحتى شاشات الحواسيب، ويتسنى للشركات الراعية إقامة علاقات مع الأندية وناشري الألعاب والجهات الحكومية وكل طرفٍ يختص بالبطولة، وذلك لفتح أسواق جديدة والوصول إلى مستويات نجاح غير مسبوقة.
خطوات نحو العالمية
ويُذكر أن بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية قد انطلقت بالفعل من العاصمة الفرنسية باريس.
وخلال المؤتمر الصحفي الافتتاحي الذي أُقيم في قصر بلدية باريس، بحضور محافظ المدينة إيمانويل غريغوار ووزيرة الرياضة والشباب والحياة المجتمعية الفرنسية مارينا فيراري، شدد الأمير فيصل على أن المشروع الذي بدأ من المملكة لم يعد مجرد بطولة محلية أو إقليمية، بل أصبح منصة عالمية تجمع اللاعبين والأندية وناشري الألعاب والجماهير تحت سقف واحد.
وتشهد نسخة هذا العام مشاركة أكثر من 2,000 لاعب ولاعبة يمثلون ما يزيد على 200 نادٍ من 100 دولة، يتنافسون على مدار سبعة أسابيع في 25 بطولة تشمل 24 لعبة، وبجوائز قياسية تتجاوز 75 مليون دولار، لتصبح النسخة الأغلى في تاريخ الحدث.
