هل تملك الشجاعة لتكون "نفسك" في العمل؟
قبل أن تحكم على هذا الموضوع، فكر في آخر مرة شعرت فيها بالحرية الكاملة لتكون نفسك في العمل، بلا تصفية، ولا تلطيف، ولا حساب دقيق لكل كلمة تقولها.
إن احتجت لحظة تفكير قبل الإجابة، فأنت لست استثناءً، بل أنت جزء من أغلبية صامتة تؤدي دورًا كل يوم.
دراسة حديثة نشرها موقع "Hays"، كشفت أن أكثر من 37% من العاملين يعترفون بإخفاء جوانب من هويتهم داخل بيئات العمل المهنية.
والأكثر إثارة للتأمل أن 48% منهم يؤمنون بأن هويتهم حرمتهم من فرص كان يُفترض أن تكون في متناولهم. هذه ليست إحصاءات مجردة، بل هي حياة يومية يعيشها ملايين الأشخاص خلف واجهة ما يُسمى "الاحترافية".
صحة شعارات "كن نفسك" في العمل
المفارقة المؤلمة أن المؤسسات لم تكن يومًا بهذا القدر من الحديث عن التنوع والشمول والانتماء. اللافتات موجودة، والسياسات مكتوبة، والتدريبات تُعقد باستمرار.
ومع ذلك، لم تتغير الثقافة المؤسسية الحقيقية بالقدر الذي تدّعيه تلك الشعارات.
الحث على "إحضار كامل الذات إلى العمل" يبقى خطابًا فارغًا حين تظل البيئة المحيطة ترسل رسائل معاكسة في كل تقييم سنوي، وفي كل قرار ترقية، وفي كل ملاحظة مبطّنة تقول للشخص إنه ليس "بالشكل الصحيح" الكافي.
والأقسى أن هذا يحدث حتى لمن وصلوا إلى مناصب قيادية، حيث تتحول الرسالة من ضمنية إلى صريحة.
آليات التحيز في سوق العمل
جذور الأزمة تمتد إلى ما قبل خطوة التوظيف بكثير؛ إذ كشفت أبحاث موثقة نشرتها مجلة AER أن السير الذاتية التي تلجأ لـ"التبييض"، عبر طمس الأسماء أو الخلفيات التي قد تثير تمييزًا، تتلقى معدلات استجابة وتفاعلاً أعلى بكثير من غيرها.
ودراسات أخرى أظهرت أن الجنس المُتصوَّر للمتقدم يؤثر في قرارات فرق التوظيف، حتى حين تكون الكفاءات متطابقة.
والأكثر إثارة للقلق أن منصات التوظيف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي باتت سائدة، وهي تحمل خطر ترسيخ هذه التحيزات وتكريسها بدلاً من تصحيحها، لأنها تتعلم من بيانات تاريخية تعكس الأنماط نفسها التي نحاول تجاوزها.
تأثير طمس النفس على العمل
ثمة حجة مشروعة تقول إن التكيف ضرورة حياتية. الجميع يُصفّي أحيانًا، ويُلطّف، ويتعلم متى يتكلم ومتى يصمت.
لكن هناك فارقًا جوهريًا بين اختيار تقديم نفسك بطريقة معينة، وبين الشعور بأنك مضطر للتخلي عن نفسك كي تبقى.
حين يصبح الانكماش غريزةً لا قرارًا، ودرعًا لا أسلوبًا، فالثمن يتجاوز الإنهاك النفسي إلى ما هو أعمق. الإبداع يتراجع حين يكون الإنسان منشغلاً بمراقبة نفسه.
الأفكار الحقيقية لا تُطرح حين يكون صاحبها خائفًا من ردة الفعل. والمؤسسة بأكملها تخسر ما لم تدركه يومًا: الطاقة التي كان يمكن أن تُنفق في الابتكار، ذهبت في إدارة الانطباعات.
لطالما صُوِّر هذا الموضوع باعتباره مشكلة الفرد، الذي يحتاج إلى مزيد من الثقة، أو مهارات تواصل أفضل، أو قدرة أعلى على التكيف. لكن الحقيقة أن المشكلة في المعادلة ذاتها، لا في من يُكلَّفون بتحمّل أعبائها.
حين تُصبح "المهنية" مرادفة للامتثال لمعايير ضيقة لا علاقة لها بالكفاءة، فالوقت قد حان لأن تسأل المؤسسات نفسها سؤالاً مختلفًا تمامًا: لا "كيف نجعل موظفينا يتأقلمون"، بل "ما الذي في بيئتنا يجعل الناس يشعرون بأنهم يجب أن يختفوا".
