سباق الذكاء الاصطناعي: هل يدفع الحماس الإدارات إلى قرارات متسرعة؟
شهدت الهياكل الإدارية العليا في الشركات العالمية الكبرى تناميًا ملحوظًا في الخلافات الاستراتيجية حول وتيرة إدراج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن بيئات العمل.
وفقًا لاستطلاع حديث وشامل أجرته مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) في شهر مايو من عام 2026، برز انقسام حاد في الآراء بين الرؤساء التنفيذيين الذين يميلون إلى التريث والدراسة، وبين مجالس الإدارة التي تدفع بقوة نحو تبنٍّ مندفع وسريع لهذه التقنية.
التقرير الذي حمل عنوان "قرار منقسم: استطلاع الرؤساء التنفيذيين ومجالس الإدارة من BCG"، استند إلى استطلاع آراء 625 من قادة الأعمال حول العالم (من بينهم 351 رئيسًا تنفيذيًا و274 عضوًا في مجالس إدارة الشركات الكبرى، كشف عن فجوة واضحة في تقدير الفارق بين الزخم الإعلامي المحيط بالذكاء الاصطناعي وبين واقع تطبيقه الفعلي.
الرؤساء التنفيذيون يتهمون مجالس الإدارة بالتسرع
أظهرت بيانات الاستطلاع تفوق النزعة الاندفاعية لدى مجالس الإدارة مقارنة بالنهج الحذر الذي يفضله التنفيذيون، وجاءت المؤشرات الإحصائية على النحو التالي:
أفاد 61% من الرؤساء التنفيذيين المشاركين في الاستطلاع بأن مجالس إداراتهم "تتسرع بشكل مفرط في عملية التحول الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي"؛ حيث أكد 54% منهم موافقتهم على هذه العبارة، في حين أبدى 7% موافقة شديدة.
في المقابل، عارض 21% فقط من الرؤساء التنفيذيين هذه الرؤية معتبرين الوتيرة الحالية مناسبة، بينما اتخذ 18% موقفًا محايدًا.
ويطالب الرؤساء التنفيذيون بتبني نهج أكثر "حذرًا"، بينما تواصل مجالس الإدارة الضغط على الإدارات التنفيذية لتكون "أكثر تسرعًا واقتناصًا للفرص" لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في كل مفاصل المؤسسة.
ضعف المعرفة الفنية
حاول تحليل مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) تفكيك الأسباب الكامنة وراء هذا الاندفاع من جانب مجالس الإدارة، وعزت الدراسة الخلل إلى عامل الثقة المعرفية:
"تبين أن حالة عدم اليقين وضعف الإدراك الفني الدقيق لدى بعض أعضاء مجالس الإدارة تترجم تلقائيًا إلى شعور متزايد بالاستعجال وضغط غير مبرر".
فمن بين أعضاء مجالس الإدارة الذين أقروا بامتلاكهم مستويات ثقة منخفضة في فهمهم لآليات عمل الذكاء الاصطناعي، رأى 40% منهم أن مؤسساتهم تتحرك ببطء شديد في هذا المضمار، مقارنة بـ 20% فقط من الأعضاء الخبراء الذين أبدوا رضاهم عن السرعة الحالية.
وفي هذا الصدد، أشار أكثر من نصف الرؤساء التنفيذيين إلى ضرورة أن تستوعب مجالس الإدارة الفجوة العميقة بين الضجة الإعلانية وبين العقبات التطبيقية على أرض الواقع.
استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا
على الرغم من هذا التباين الاستراتيجي في هرم القيادة، إلا أن إدراج أدوات الذكاء الاصطناعي في الوظائف اليومية بات أمرًا واقعًا وإلزاميًا في كبرى مؤسسات التقنية ووادي السيليكون وول ستريت؛ حيث تحولت من خيارات تحسينية إلى مستهدفات أداء ومقاييس تقييم سنوية.
وضعت شركة ميتا أهدافًا صارمة وواضحة لمهندسيها تلزمهم بدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عمليات تطوير الأكواد البرمجية.
منحت جوجل المديرين الصلاحية الكاملة لفرض استخدام المساعدين الرقميين في المهام الإدارية والتقنية.
وصمم جيه بي مورغان عملاق الخدمات المالية لوحات تحكم رقمية داخلية لمراقبة وتتبع معدلات استخدام الموظفين للذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والأسواق.
وفي أمازون رفعت قطاعات التجزئة في الشركة من مستوى الرقابة؛ حيث جرى رصد عدد المهندسين الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي شهريًا ومدى تغلغل هذه الأدوات في تدفقات العمل اليومية.
تؤكد المعطيات الحالية لعام 2026 أن النقاش داخل أروقة الشركات العالمية لم يعد يدور حول جدوى تفعيل الذكاء الاصطناعي من عدمه، بل بات يتركز كليًا حول ضبط السرعة الآمنة للتطبيق بما يضمن ريادة المؤسسة دون الإخلال باستقرارها التشغيلي.
