مدينة تتحرك بأكملها.. ما سر أكبر مشروع نقل حضري في العالم؟
تخوض مدينة كيرونا في أقصى شمال السويد تجربة فريدة من نوعها، إذ يتم حاليًا نقلها بالكامل إلى موقع جديد يبعد نحو ثلاثة كيلومترات شرقًا، في خطوة تُعتبر واحدة من أكبر مشاريع إعادة توطين المدن في التاريخ الحديث.
وجاء القرار بعدما تسبب توسّع منجم خام الحديد القريب، التابع لشركة "LKAB" الحكومية، في حدوث هبوط أرضي تدريجي يهدد استقرار الأبنية وسلامة السكان.
تاريخ مدينة كيرونا
وتأسست كيرونا قبل أكثر من 125 عامًا كمدينة تعدين صغيرة، وتحولت إلى ركيزة صناعية مهمة في أوروبا، إذ يسهم منجمها في إنتاج 80% من خام الحديد في الاتحاد الأوروبي.
ومع توسع عمليات التعدين، أصبح استمرار العيش في المدينة القديمة يشكل خطرًا، فكان الحل إنشاء مدينة جديدة بالكامل على بعد بضعة كيلومترات لحماية السكان واستمرار النشاط الاقتصادي.
وتستغرق عملية النقل عقودًا، ومن المتوقع إتمامها بحلول عام 2035، لتصبح نموذجًا هندسيًا فريدًا يجمع بين حماية الموارد الطبيعية والمحافظة على المجتمع المحلي.
ويتضمن المشروع نقل أكثر من 6000 شخص و2700 منزل إلى موقعهم الجديد، مع تخصيص تعويضات تبلغ نحو 22.5 مليار كرونة سويدية (2.4 مليار دولار) لتغطية تكاليف البناء وإعادة التوطين.
وأكد نيكلاس يوهانسون، نائب الرئيس للعلاقات في شركة LKAB، أن السكان حصلوا إما على تعويض نقدي يساوي قيمة منازلهم السوقية مضافًا إليها نسبة 25%، أو على منازل جديدة بالكامل، مشيرًا إلى أن أكثر من 90% فضلوا الانتقال إلى مساكن جديدة.
ورغم النجاح، تواجه السلطات تحديات كبيرة، أبرزها نقص الأراضي المناسبة للبناء والخلافات حول استخدام الأراضي المملوكة للدولة في المناطق القطبية، إضافةً إلى الاعتراضات البيئية المتعلقة بتأثير عمليات التعدين على رعي الرنة وحياة السكان الأصليين.
وتسعى بلدية كيرونا للحصول على دعم مالي وسياسي أكبر من الحكومة والاتحاد الأوروبي لتسريع تنفيذ المشروع وضمان استدامته.
وفي ظل اكتشاف شركة "LKAB" واحدًا من أكبر أماكن العناصر الأرضية النادرة في أوروبا، اكتسبت كيرونا بعدًا استراتيجيًا جديدًا، إذ تعد هذه المواد أساسية في التقنيات الخضراء وصناعات الطاقة المتجددة.
واعتبر الاتحاد الأوروبي المدينة جزءًا محوريًا من تطبيق قانون المواد الخام الحيوية الذي يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بنسبة 40% بحلول عام 2030.
ورغم صعوبة الرحيل بالنسبة للسكان الذين عاشوا عقودًا في منازلهم القديمة، فإنهم يدركون أن نقل المدينة يمثل فرصة لإنقاذها وتأمين مستقبلها الصناعي والاقتصادي، لتبقى كيرونا مدينة تتحرك من أجل البقاء ومثالًا على التعايش بين الإنسان والطبيعة في أقصى الشمال.
