×

عائلة الشعلان.. ملوك عطر الأرض لثمانية عقود

الرياض – عبدالهادي حبتور:

عندما غادر عبد الرحمن بن عبدالعزيز الشعلان قريته (قصب) 160 كيلو متراً شمال غربي الرياض، وهو لم يتجاوز 11 عاماً قبل نحو ثمانية عقود، لم يدر بخلده يوماً أن يصبح أحد كبار تجار الأرز ومستورديه في السعودية بل وصاحب علامة تجارية خاصة به في السوق المحلي (ملك الأرز).

"الرجل" حاورت ابنه البكر ورئيس مجلس إدارة شركة "الشعلان التجارية" محمد الشعلان، الذي كشف أن والده بدأ العمل في سن 11، صبياً في المزارع والبيوت، مقابل قوت يومه فقط، ثم فتح محلاً بسيطاً لبيع المواد الغذائية (الأرزاق) حينها الذي كان نواة نشاط العائلة التجاري اليوم.

تقسم عائلة الشعلان استثماراتها مناصفة بين صناعة المواد الغذائية، والاستثمارات العقارية، بمعدل 50 في المئة لكل مجال، بحسب محمد الشعلان، الذي يؤكد أن تنويع الاستثمارات مطلب ملحّ وأمر حيوي في الوقت الراهن.

كما يكشف لـ "الرجل" عن تحول الشركة العائلية إلى شركة مساهمة عامة في غضون أقل من ثلاث سنوات من الآن، ويرجع هذا القرار المصيري إلى الحفاظ على الكيان والتحول للعمل المؤسسي المستدام.. كما يتطرف الشعلان لتفاصيل تجارة الأرز والتحديات، وتوقعاته لقطاع العقار في المملكة خلا الفترة المقبلة، فإلى تفاصيل الحوار..

كيف كانت بدايات العائلة في النشاط التجاري؟

عائلة الشعلان من العوائل القديمة في نجد، وتحديداً في منطقة القصب شمال غربي الرياض، وهي مسقط رأس الوالد الذي نشأ يتيماً هو وأخوه، حيث كان عمره 11 سنة عندما توفي والده، وكان أكبر اخوانه وعائل الاسرة، ومن الأشخاص الذين يحبون العمل ولا يعتمد على الناس، لذلك قرر الذهاب إلى الرياض مع أخيه، وأصبح يبحث عن أي عمل، فعمل صبياً لدى المزارعين وفي بيوت كبار أهل الرياض آنذاك، وكان عمله بمقابل أكله فقط، مجيئه الرياض منذ 78 عاماً تقريباً، ولأن لديه طموحاً وهو في سن مبكرة، قرر مع اخيه فتح محلا لبيع "الأرزاق"، وهو المسمّى القديم للمواد الغذائية، مثل القمح، والملح، والأرز، وغيرها.

بعد فترة ترك أخاه يعمل في المحل، وقرر شراء سيارة وهو أمر صعب في ذلك الوقت، لنقل الركاب والبضائع بين المدن، وقتها كان صغيراً حيث لم يتجاوز عمره 14 عاماً، لذلك اتفق مع سائق لقيادة السيارة بأجرته، وكان يراقب السائق ليتعلم منه القيادة، وبعد أن شعر انه اتقن القيادة استغنى عن السائق، وبدأ العمل بنفسه وفي نقل الركاب بين القرى بعدها نقل الحجاج، ثم قام بتأجير السيارة وبدأ في استيراد الأرز، الذي كان قليلاً في ذلك الوقت، حتى أن الناس كانت تسميه "طبيخ"، كما استورد الدقيق لحاجة الدولة إليه، وقت الملك فيصل وحدوث أزمة دقيق في ذلك الوقت، بعدها تخصص في استيراد الأرز بكميات كبيرة وأصبحت السلعة الرئيسية للعائلة، وحالياً لدينا الماركة المعروفة في السوق وهي ملك الأرز.

من أين كنتم تستوردون الأرز قديماً ؟

من دول عدة؛ الهند وباكستان وأمريكا.

هل تذكرون بعض القصص التي واجهها الوالد قديماً وحصلت له أثناء تجارته؟

ممن مميّزات الوالد، رحمه الله، أنه كان يجمع بين الحزم والرحمة، وكان من ضمن القصص أن أحد التجار الذي يشتري الأرز منه، أخذ كمية وغاب بعدها لأشهر دون أن يسدد ما عليه، وبحث عنه الوالد حتى وجد مكانه، فذهب إليه حتى منزله فوجده يعيش في بيت شعبي بسيط، وسأله الوالد عن المبلغ، فبكى التاجر وأخبر والدي بأنه خسر كل شيء، ولا يوجد ما يأكله وعائلته، وما كان من الوالد إلا أن سامحه بالمبلغ الذي كان عليه وصرف له شيكاً له ولعائلته.

من المواقف الأخرى، أن الوالد يحرص على أن يتعلم أبناؤه العمل من الصفر، حيث بدأت من المستودع حمالاً لأكياس الأرز، ثم توصيل السيارة، بعدها أصبحت مندوب مبيعات، وحصل أن عائلة الشعلان استثماراتها مناصفة بين صناعة المواد الغذائية، والاستثمارات العقارية ، بمبلغ 14 ألف ريال، فجئت المكتب فرحاً لأسجل الفاتورة، فنصحني الوالد ألا أبيع لهذا الشخص لأنه نصاب بحكم معرفته به، لكنني غضبت واتهمت والدي بمحاربتي وأنه لا يريدني أن أبيع، فوافق ليعلمني درساً وبالفعل حصل ما حذرني منه، فإلى يومنا هذا لم استرجع المبلغ من هذا الشخص.

هل تعمل مع إخوتك جميعاً في التجارة ؟

عندما بدأت العمل مع الوالد كنت مساعده وذراعه اليمنى، وفي آخر حياته، رحمه الله، تعب وأصبحت ملاصقاً له بشكل كبير، وتدرجت حتى أصبحت رئيس مجلس الإدارة في الشركة الآن، وإخواني جميعهم يعملون في الشركة.

هل حرص الوالد على انخراطكم في العمل التجاري ؟

الوالد حرص على الأمرين، التعليم الأكاديمي وكذلك حب التجارة والعمل الحر، لكن بلاشك كان يفضل العمل الحر على الوظائف الحكومية، ولذلك جميعنا نعمل في هذا المجال.

نعود لنشاط الأرز بحكم أنه النشاط الرئيس للعائلة، حالياً كيف هو وضعكم في السوق المحلية ؟

تعدّ عائلة الشعلان في الأرز من أقدم تجار الأرز في المملكة وما زلنا، ومن كانوا في وقتنا قبل 70 سنة اندثروا، والجدد لهم 30 سنة، لذلك عاصرنا الأولين والآخرين في هذا النشاط، تجارة الأرز عالم كبير، والبعض يعتقد الأمر سهلاً، هذا النشاط له كتب ويصنف لأكثر من 14 ألف نوع في العالم، وهي المادة الرئيسية في آسيا، وهم يشكلون معظم سكان العالم.

كم تبلغ حصتكم في السوق المحلية ؟

ما أستطيع تأكيده أننا بين الثلاثة الكبار الذي يشكلون قرابة 65 في المئة من حجم السوق المحلي.

تحدثت أن الدخول في تجارة الأرز أمر ليس بالسهل، ما هي أوجه الصعوبة ؟

ليس من السهولة الدخول في هذا النشاط، فالأرز مادة غذائية يجب الحفاظ عليها، في أماكن جافة ومستودعات مخصصة، وتحتاج لمستودعات ضخمة للتخزين، كما أن الأرز يحتاج بضاعة تشتريها وبضاعة مخزنة وبضاعة لدى العملاء، أي يحتاج لمخزون هائل في المستودعات وبضاعة لدى العملاء في السوق، وفي بلد المنشأ جاهزة للشراء وهذا يحتاج مبالغ ضخمة تقدر بالمليارات.

بين أنواع الأرز الكثيرة كيف تختارون الأرز المناسب للسوق المحلي ؟

هناك أنواع تأتي من أكثر من دولة، لكن الرئيسي هو البسمتي الهندي والباكستاني، لأنه ملك الأرز، ولذلك سمي في الهند قديما أرز الملوك، ويزرع في إقليم البنجاب الواقع بين الهند وباكستان، كما أن هناك أنواع ودرجات بمسميات أخرى، نستورد الأرز أيضاً من أمريكا، ايطاليا، استراليا، فيتنام، وتايلاند، كل الأنواع موجود في السوق، حيث يتم استيراد نحو 1.4 مليون طن سنوياً، يشكل الأرز البسمتي 70 في المئة منها.

كيف تحافظون على المخزون في السوق خصوصاً وقت الأزمات ؟

عادة التجار يبقون 25 في المئة من المخزون دائما لا يتصرفون فيه على مدار العام. كما تعلمون لا يوجد دعم حكومي حالياً للأرز، لكنه معفي من الرسوم وهذا بحد ذاته دعم. وللعلم فإن كلمة بسمتي أصلها هندي وتعني "باس" "ماتي" أي"عطر الأرض"، وكثر لا يعرفون هذه المعلومة.

برأيك لماذا يحصل جدل مستمر على أسعار ألأرز في السوق المحلية، لاسيّما عند مواسم الحصاد في دول المنشأ ؟

الأرز مادة رئيسية ومستوردوها هنا كثر، السوق السعودي مفتوح وحر، لذلك المنافسة شديدة بينهم، الكل يريد أخذ الكعكة، كما أن هامش الربح ضعيف فيه، بالنسبة لمن يتحدث أن الأسعار تنخفض في بلد المنشأ وهنا تبقى مرتفعة، هذا غير صحيح فبمجرد أن يشم التجار رائحة انخفاض أسعار الأرز في بلد المنشأ ينخفض السعر مباشرة في السوق المحلي، ومرجع ذلك التنافس الشديد بينهم.

بالمناسبة كم يبلغ هامش الربح في تجارة الأرز ؟

ما بين 10 و 15 في المئة سنوياً.

نعود لمسيرتك التجارية، ما أبرز نقاط التحول في حياتك تجارياً ؟

أهم تحول كان في حياتي هو ممارستي العمل الحر وتلقيني الوالد درس العميل (النصاب) الذي لم يدفع قيمة الصفقة، كما تعلمت بأنه عليك أن تكون صادقاً وأميناً لتكسب ثقة الناس في عمليات البيع والشراء، خصوصاً مع المصدرين من الدول الخارجية. تعلمت أيضاً أن السوق مملوء بالوحوش والنصابين، فلا بدّ من الحرص، وأصبحنا ندرس الأشخاص وتعابير وجوههم قبل الإقدام على أي تعاملات تجارية.

هل ستغرس في أبنائك حب العمل التجاري، أم ستتركهم يختارون طريقهم ؟

أتمنى أن أجمع لهم بين العلم والتجارة، لا شكّ أتمنى استمرارهم في هذا العمل، لأن في ذلك توارث الأجيال، والحفاظ على الكيان لقرون، لكن إذا تشعّبوا في وظائف حكومية أو شركات أخرى، فمن يدير عملك؟

هذا يقودني لسؤال عن إمكانية تحولكم إلى شركة مساهمة ؟

هذا الأمر نعمل عليه حالياً، وقريباً إن شاء الله، الآن نحن شركة مساهمة مقفلة، ونتوقع أن تطرح الشركة للاكتتاب العام، خلال أقل من ثلاث سنوات، عملنا حالياً مؤسسي ومع ذلك سنكون شركة مساهمة عامة للحفاظ على الكيان.

كيف تتوزع استثماراتكم في السوق السعودي ؟

في الواقع، تتوزع إلى استثمارات صناعية ومواد غذائية بنسبة 50 في المئة، فيما استثماراتنا العقارية تستحوذ على الـ 50 في المئة الأخرى.

 كيف تنظرون للقطاع العقاري حالياً في المملكة ؟

أنا من الذين يؤمنون بعدم التنبّؤ بأي شيء في الوقت الراهن، الأمور أصبحت مربكة حتى للمحللين أنفسهم، أعتقد اتجاه العقار في السعودية غير واضح المعالم، وإن كنت أميل للانخفاض، لكن الغموض سيّد الموقف وهذا الأمر يمثل مصدر خوف للمستثمرين، ولذلك تنويع الاستثمارات مطلب، فالبلد يحتاج صناعات واستثمارا في عقول الشباب.

ما خططكم المستقبلية ؟

نسعى إلى التوسع والمشاركة مع القطاع الحكومي في توفير السلع الرئيسية بشكل أفضل، لأن ذلك يمثل أمناً غذائياً للبلد، وفي جميع الأحوال نحن داعمون لهذه التجارة، وقد فكرنا في شراء الأراضي في الخارج لزراعة الأرز، لكن وجدنا ذلك غير مجد، لأن كل بلد يكتفي بتجاره ومزارعيه ولا يمكن الدخول بينهم.

التعليقات

أضف تعليق