×

"الرجل" تعيد نشر حوار مع رجل الأعمال السعودي عبد الله فؤاد قبل 21 عاما

رجل الأعمال السعودي عبد الله فؤاد:

بعد الملايين الأولى فقدت طعم المال

ثلاث هزات قوية، جعلتني أكثر قوة وإيماناً

بدأت عامل بدالة  ثم مديراً لشؤون الموظفين

النجاح التجاري لا يعتمد على الثقة المطلقة

عندما بعت المستشفى كأن قطعة انتزعت مني

غرق اليخت وبقينا في الماء 15 ساعة والعناية الإلهية أنقذتنا

ابريل 1994

حاوره خالد بوعلي

تصوير علي عبد الله

قد يكون عبد الله فؤاد احد اسرع رجال الأعمال السعوديين صعوداً إلى قمة العمل التجاري. كما قد يكون اسرعهم نزولاً منه. ثم أنشطهم في النهوض من جديد..

هذه باختصار قصة عبد الله فؤاد الذي بدأ حياته موظف سنترال في شركة "أرامكو"، قبل ان يصبح احد كبار رجال الاعمال في السعودية، ورغم الهزات التي تعرض لها الرجل، وكلفته آخرها، على حدّ قوله، ما يزيد على مليار ريال، فإنه بدأ طريق الصعود من جديد، ليعرف اليوم اسماً نشطاً في دنيا التجارة السعودية والخليجية، وفي جعبة عبد الله فؤاد الكثير من القصص والمفارقات احياناً، بعضها واضح، وبعضها مشوب بالغموض، ولكنها في الإجمال تحكي تجربة لا تخلو من تشويق كما يرويها بنفسه 

 :في اللقاء التالي 

- نبدأ من الفصل الأكثر إثارة في حياتكم، فصل الخسائر الضخمة التي تعرضتم لها، كم بلغت قيمتها؟ وما سببها؟

* خلال حياتي التجارية تعرضت لثلاث هزات قوية، لكن أقواها كانت مع نهاية 1986،عندما تراكمت خسائري فزادت ديوني على 500 مليون ريال.

- وما سبب تراكم الخسائر بهذه الصورة السريعة خلال عام واحد؟-

كغيري من رجال الأعمال كانت فترة السبعينات فترة اقتصادية خصبة للتوسع في كافة المجالات وكان توسعنا مدفوعاً بالرغبة في تنويع مصادر الدخل بتعدد مجالات الاستثمار، فانطلقت المجموعة في مشاريع توسعية، وتحديداً خارج السعودية، فأنشأنا سلسلة من الفنادق في استراليا والهند وزيورخ وباريس ومصر وأمريكا، مع عدد من الشركاء إضافة إلى مجموعة أخرى من الاستثمارات، وكان خطئي أنني اعتمدت على عدد من الشركاء والمديرين الذين وثقت بهم بصورة كبيرة  فدفعت ثمناً اكبر.

لقد حققوا من خلال تلك المشاريع أرباحاً ضخمة، وزادوا مصالحهم على حسابي، فتعلمت من ذلك أن النجاح التجاري لا يعتمد على ثقة مطلقة وأن المتابعة الشخصية أبرز أسس النجاح،بصرف النظر عن طبيعة الشركاء او المديرين.

 - ألم تكن استثماراتك المتعددة هذه تدرّ دخلاً بعيداً عن تقلبات السوق؟

* الحقيقة انه مع نهاية ما سمي بـ"الطفرة" في نهاية 1986، بدأت البنوك الأجنبية في البحرين، تواجه بعض المشكلات في تحصيل أموالها من الدائنين في الشرق الأوسط، وكنت قد اقترضت مبالغ ضخمة من هذه البنوك لتمويل مشاريعي، فلما بدأت المطالبة، أتت دفعة واحدة، حيث بدأت ملامح فترة كساد تظهر في العالم كله، وكانت النتيجة كما ذكرت مطالبتي زادت عن نصف مليار ريال.

- وكيف تصرفت حينها؟ وما الخيارات التي كانت متاحة؟

* أذكر أن أول ما بادرت به، إنهاء شراكتي مع المرحوم علي التميمي (شركة تضامنية) كي أحميه من أي التزامات مالية لا علاقة له بها، ومن ثم قررت أن أحرر نفسي من ديون البنوك المتراكمة، فجمعت أملاكي في قوائم حسب موقعها الجغرافي وقيمتها، ابتداء من المصانع والفنادق والمتاجر وحتى المستشفيات والاستثمارات البنكية، فأعطيت البنوك المحلية حصتها من ممتلكاتي داخل السعودية، اما البنوك الخارجية فكونت "كونسرتيوم" أو تجمعاً في البحرين عرضت له قوائم املاكي، فتمت التسوية معهم تحت اشراف وزارة التجارة السعودية.

- هل دفعت ديونك بالكامل، أي نصف المليار ريال؟

الحقيقة أن ما دفعته يفوق المليار ريال، إذ إن قيمة الأملاك والاستثمارات التي بيعت في تلك الظروف تفوق المبلغ الذي بعتها به كثيراً.

- علاقاتك متعددة وكثيرة برجال الأعمال داخل السعودية وخارجها؛ الم يقف معك احد منهم في محنتك هذه؟

* لم أحاول طلب المساعدة من احد، ليقيني التام أنني أستطيع التغلب على المشكلة وحدي، بالإضافة إلى يقيني بصعوبة وقوف احد معي في دفع مبلغ كبير كالذي دفعته، فلو اقتصر الأمر على المليون أو حتى العشرة لفعلوا، لكن ليس 500 مليون.

- ذكرت أنك بعت استثماراتك لتغطية ديونك، فهل استعدت بعض هذه الاستثمارات الآن؟

* حصتنا في الـ "بي سي أي" كانت تبلغ 47 %، وكنت رئيس مجلس الإدراة، وقد استعدت شراء حصة بالشركة، لكنها ليست كبيرة على ايه حال.

- ما اول خطوة أقدمت عليها بعد خروجك من الأزمة؟

* اعدت ترتيب اوراقي وسجلت الشركة باسم الابناء والزوجات كل له حصة حسبما يقره الشرع. 

- وكم هي حصتك؟

* أربعة في المئة فقط. 

- ذكرت انك تعرضت لهزتين أُخريين، فماذا عنهما ؟

الأولى كانت في نهاية 1952، واضطررت فيها لبيع اغلب الأملاك التي كانت باسمي لسداد مستحقات بعض العاملين لديّ وأسبابها عدم حسن تصرف بعض الأشقاء في تسوية الأمور. اما الثانية فكانت خسارة في مشروع نفذته بلغت حينها 30 مليون ريال، وهو مبلغ ضخم جدا في تلك الفترة.

- لنرجع قليلا الى البدايات، ونسال: كيف بدأ عبد الله فؤاد؟

* بدايتي العملية كانت عندما التحقت بشركة "آرامكو" وانا في الثانية عشرة من عمري وحصلت على وظيفة "عامل أوبريتر" او سنترال. ساعدني على ذلك إجادتي لقليل من اللغة الإنجليزية الا انني تركت العمل، بعد سنتين، بسبب وفاة عمي فؤاد، فتركت الدمام وتوجهت الى البحرين، حيث كان الوالد يقيم هناك. فأقمت سنتين عدت بعدهما إلى الدمام والتحقت بـ"آرامكو" مرة أخرى، وفي هذه المرة التحقت بقسم شؤون الموظفين براتب يومي قدره ريال الا ربعاً، وقادني اجتهادي في العمل إلى أن اتقلد منصب رئيس شؤون الموظفين في الشركة في مدينة راس تنورة، عام .1947 

- وهل اتت انطلاقتك الى دنيا الاعمال من عملك هذا؟

* نعم؛ فعندما ارادت "آرامكو" اختيار مقاولين لتنفيذ خطوط انابيب الزيت (التابلاين) عام 1947 وقع اختيار الشركة على مجموعة محدودة من العاملين لديها، للاستعانة بهم مقاولين لتنفيذ بعض الأعمال، فاستقلت من العمل في "آرامكو" في نهاية 1948 وأصبحت مقاولاً حراً، واستعنت بأحد أعمامي في البحرين، وعدد من العمال من البحرين وعُمان وبدأنا في توريد الأفراد والمعدات لمشروع "آرامكو"، ومع نهاية 1952 أصبت بالهزة الأولى التي كلفتني كثيراً، فأنهيت بعدها اعمالي وسددت ديوني وتوقفت عن العمل. 

- وماذا فعلت؟

* بحثت عن عمل دون جدوى واستمررت حتى 1956 عاطلاً .. ثم قررت الاشتراك مع صديقي عبد الله الشويعر، رحمه الله، تأسيس شركة مقاولات جديدة، لأنني حصلت حينها على مشروع جديد باسمي لـ"آرامكو" بمدينة البقيق. وكذلك حصل هو على مشروع في راس تنورة، وأخذنا في تنفيذ المشروعين معاً وبعدها بفترة انهينا الشركة. بعد ذلك حصلت على مشروع تنفيذ وبناء أحد عشر برجاً تلفزيونيا لمصلحة "المؤسسة العامة للسكك الحديدية" في الرياض والدمام والبقيق والعضيلية، وأذكر أن أرباحي من هذا المشروع، بلغت حينها 670 ألف ريال، وكان مبلغاً جيداً في ذلك الوقت، دفعني للأمام، ثم ارتبطنا اكثر بـ"آرامكو"، من خلال تنفيذ مدارس خاصة بها. 

عالم الملايين

- عن مشاريع "آرامكو" العملاقة، ماذا كان نصيبك منها؟

* الواقع ان المصادفة وقبل اي شيء، لعبت دوراً كبيراً في التقائي المرحوم علي التميمي، عند مكتب المقاولين في "آرامكو". فاتفقت مع هذا الرجل على الدخول في مناقصة التنفيذ " البايب لاين"، وبعد أن قدمنا عرضنا ( وكان يبلغ 7 ملايين ريال) فزنا بالمناقصة. وقد دفعنا ذلك لتكوين شركة رسمية فيما بيننا عام 1962 واستمر المشروع حتى عام 1964، وكانت النتيجة خسارتنا لسبعة ملايين ريال، حيث بلغت تكلفة المشروع اربعة عشر مليون ريال، وقد عوضت "آرامكو" هذه الخسارة بإعطائنا مناقصة اخرى بسعر إجمالي يبلغ 25 مليون ريال، ربحنا نصفه تقريباً بسبب إجادتنا للعمل ومعرفتنا لأسراره هذه المرة، واستمرت شراكتي بالتميمي أكثر من 24 عاماً وتحولت شركة المقاولات الى مجموعة ضخمة يعمل لديها أكثر من 8 آلاف شخص من 22 جنسية موزعين على شركات المجموعة التي تستثمر في كل شيء، واستمر النجاح الى ان اتت الهزة الثالثة التي تحدثت عنها.

- بعد ان خرجت من الأزمة، كيف تمكنت من النهوض مرة أخرى، وبهذه السرعة؟

* الاستفادة من التجارب السابقة وحسن السمعة في السوق اهم الأسباب التي تساعد رجل الاعمال على النهوض من جديد. وحالياً نحن اقوى وافضل من السابق بحمد الله. لدينا عدد من المشاريع الكبرى ومقبلون على مشاريع توسيعية ضخمة وعدد موظفينا يصل الى 3 الاف موظف من جنسيات مختلفة.

- هل هناك مشروع تمنيت لو دخلته، او مشروع خسرت فيه ولم تزعجك خسارته؟

* قبل الهزة الثالثة أنشأت مستشفى يحمل اسمي في الدمام، وكان يعدّ المستشفى الوحيد المصنف بالدرجة الأولى في المنطقة الشرقية والثاني في السعودية. كنت في تلك الأثناء أكتفي بكون المستشفى يحمل اسمي. وأشدّ ما آلمني اضطراري إلى بيعه لتغطية التزاماتي المالية لقد أحسست حينها ان قطعة مني قد انتزعت. واذكر انّني اقترحت على مجموعة من رجال الاعمال بالمنطقة شراءه وتحويله الى مستشفى خيري او تشغيله بالطريقة التي يرونها مناسبة. ولكن الرغبات لم تتبلور الى حقيقة وبيع المستشفى للبنوك الدائنة.

- هل اثرت فيك خسارتك؟

* لا. كلما كنت اخسر كنت اربح بعدها بفضل الله. 

- متى أحسست بنشوة المال؟

* عندما كسبت اول 7 ملايين ريال. صممت ان ازيدها. وبعد ذلك لم تعد المادة ذات اهمية بالنسبة لي. 

- يسمى احد اكبر المخططات الشرقية باسمك، فهل هذا المخطط لك؟

* لا؛ هو تابع لـ"آرامكو". ولكن عندما انشأت فيه المستشفى أتبعته بمسجد فحديقة، وعندما جاء عمال شركة الكهرباء لتركيب عدادات الكهرباء الخاصة بالمستشفى، لم يعرفوا للمخطط اسماً فكتبوا مخطط عبد الله فؤاد. ومازال يعرف بهذا الاسم.

غولف وسمك

- بعيدا عن دنيا الاعمال، هل تمارس اي نوع من الرياضة؟

* انا لم انقطع عن ممارسة الرياضة. ورغم تقدمي في السن فمازلت امارس بعض الحركات الخفيفة بصالة الالعاب بالمنزل، بالإضافة لممارستي المستمرة لرياضة الغولف داخل السعودية وخارجها.

- وما احب هواياتك الى نفسك؟

* صيد السمك ودخول البحر، حيث امتلك يختاً كبيراً مزوداً بطراد بالبحرين، اقضي فيه اسبوعياً يوما كاملا داخل مياه الخليج العربي.

- فيما يخصّ حياتك؛ متى تزوج عبد الله فؤاد؟

* تزوجت لأول مرة ابنة عمي، وكنت ابلغ من العمر 14 عاماً، وكانت هي في الثالثة عشرة. وقد انتقلت الى رحمة الله وهي تضع ابنتي البكر.

-  وكم عدد أبنائك وبناتك؟

* من ثلاث زوجات رزقني الله بولدين فؤاد وفيصل، وعشر بنات.

- ما الاستثمار الكبير الذي أتحته لهم؟

* التعليم. ففؤاد خريج الجامعة الأمريكية في بيروت، وهو حالياً يقوم بأغلب اعمال المجموعة وأعبائها .اما فيصل فلا يزال طالبا بالمرحلة الثانوية، اما بناتي فمعظمهن يحملن شهادات من السعودية والولايات المتحدة الامريكية. 

- كيف تتعامل معهم؟ وهل تعتقد انك أعطيتهم حقهم من الرعاية؟

* بالنسبة لفؤاد فأنا لا اتحدث معه في العمل إلا في الأمور المهمة والخاصة جداً. اما الارشادات فلا يحتاجها ابداً لأنه متعلم ولديه خبرة، في حين أتابع مع فيصل خطواته في الدراسة وبشكل مستمر. أما البنات فأعاملهن كصديقات واستمع لهن كثيراً. 

- هل فكرت في شراء طائرة خاصة؟

* عرضت علي شركة "آرامكو" طائرة للبيع وبحالة جيدة بالولايات المتحدة الامريكية. فسافرت الى هناك وعاينتها إلا اني تراجعت عن شرائها لأسباب عدة . فبصرف النظر عن سعرها الذي يبلغ 56 مليون ريال وتكاليفها الاخرى فأنا انسان بسيط، ولست في حاجة ان اظهر بصورة تخالف ذلك.

- هل لهذا السبب تفضل قيادة سيارتك بنفسك دون سائق؟

* نعم، انا اقود سيارتي بنفسي، وكثير من أصدقائي بالمنطقة يستغربون ذلك؛ وعموماً انا استمتع بالقيادة.

- هل تقلدت مناصب رسمية حكومية او غيرها؟

* باستثناء عملي في "آرامكو" لم اتقلد اية مناصب حكومية اخرى. وقد رشحتني وزارة التجارة السعودية لعضوية مجلس ادارة الغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية، لكني اعتذرت ورشحت ابني فؤاد بديلا عني. 

- ما علاقتك بالسفر؟

* احب السفر كثيرا . ولذلك زرت اغلب دول العال، وقد كانت اعمالي تدفعني للسفر كثيرا ولمختلف القارات. 

- وأي الدول اقرب الى نفسك؟

* كل دولة لها طابعها المميّز. 

- وهل تقتضي إجازاتك في السفر للخارج؟

نادرًا. فاغلب اجازاتي اقضيها الآن في البحر والرحلات على ظهر يختي، احياناً برفقة الأصدقاء وأحيانا برفقة العائلة.

- هل تعتقد أن الحظ لعب دورا في حياتك؟

* الحظ لا يأتي لكسول، وهو مرتبط بالعمل وحسن النية. 

- هل هناك مشروع تتمنّى تنفيذه؟

* كنت ومازلت اتمنى ان اشترك في بناء دور للايتام. وقد حاولت في السابق القيام بمشروع كهذا.

- هل فكرت في التقاعد؟

* انا اعمل لكي لا اهرم.

- ما الموقف الذي ترك أثره في نفسك؟

* نجاتي من الغرق الأكيد في مياه الخليج العربي انا وابني فيصل قبل 8 سنوات. فأثناء تجربتي ليخت جديد صنع لي، غرق اليخت وبقينا في الماء اكثر من 15 ساعة، إلا أن عناية الله أنقذتنا من الموت غرقاً و"غذاء" للأسماك، وعلى الرغم من عبور البحر كثيراً وبمراكب خشبية قديمة، فإنها المرة الأولى التي أتعرض لمثل هذا الحادث وقد أنقذتنا إحدى السفن التابعة لـ"آرامكو".

التعليقات

أضف تعليق